ابن حجر العسقلاني

444

فتح الباري

الأمور دون مساويها وقد وقع في نفس هذا الحديث والمهدي من هديت فأخبر انه يهدي من شاء كما وقع التصريح به في القرآن وقال في حديث أبي سعيد الماضي في الاحكام الذي في أوله ان كل وال له بطانتان والمعصوم من عصم الله فدل على أنه يعصم قوما دون قوم وقال غيره يستحيل ان يصلح قدرة العباد للابراز من العدم إلى الوجود وهو المعبر عنه بالاختراع وثبوته لله سبحانه وتعالى قطعي لان قدرة الابراز من العدم إلى الوجود تتوجه إلى تحصيل ما ليس بحاصل فحال توجيهها لا بد من وجودها لاستحالة أن يحصل العدم شيئا فقدرته ثابتة وقدرة المخلوقين عرض لا بقاء له فيستحيل تقدمها وقد تواردت النقول السمعية والقرآن والأحاديث الصحيحة بانفراد الرب سبحانه وتعالى بالاختراع كقوله تعالى هل من خالق غير الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ومن الدليل على أن الله تعالى يحكم في خلقه بما يشاء ولا تتوقف أحكامه في ثوابهم وعقابهم على أن يكونوا خالقين لأفعالهم أنه نصب الثواب والعقاب على ما يقع مباينا لمحال قدرتهم واما اكتساب العباد فلا يقع الا في محل الكسب ومثال ذلك السهم الذي يرميه العبد لا تصرف له فيه بالرفع وكذلك لا تصرف له فيه بالوضع وأيضا فان إرادة الله سبحانه وتعالى تتعلق بما لا نهاية له على وجه النفوذ وعدم التعذر وإرادة العبد لا تتعلق بذلك مع تسميتها إرادة وكذلك علمه تعالى لا نهاية له على سبيل التفصيل وعلم العبد لا يتعلق بذلك مع تسميته علما ( فصل ) احتج بعض المبتدعة بقوله تعالى الله خالق كل شئ على أن القرآن مخلوق لأنه شئ وتعقب ذلك نعيم بن حماد وغيره من أهل الحديث بأن القرآن كلام الله وهو صفته فكما ان الله لم يدخل في عموم قوله كل شئ اتفاقا فكذلك صفاته ونظير ذلك قوله تعالى ويحذركم الله نفسه مع قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت فكما لم تدخل نفس الله في هذا العموم اتفاقا فكذا لا يدخل القرآن ( قوله ويقال للمصورين أحيوا ما خلقتم ) كذا للأكثر وهو المحفوظ ووقع في رواية الكشميهني ويقول أي الله سبحانه أو الملك بأمره وقال الكرماني لفظ الحديث الموصول في الباب ويقال لهم فأظهر البخاري مرجع الضمير انتهى وسيأتي الكلام على نسبة الخلق إليهم في آخر الباب ( قوله إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض إلى تبارك الله رب العالمين ) ساق في رواية كريمة الآية كلها والمناسب منها لما تقدم قوله تعالى الا له الخلق والامر فيصح به قوله الله خالق كل شئ ولذلك عقبه بقوله قال ابن عيينة بين الله الخلق من الامر بقوله تعالى الا له الخلق والامر وهذا الأثر وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية من طريق بشار بن موسى قال كنا عند سفيان بن عيينة فقال الا له الخلق والامر فالخلق هو المخلوقات والامر هو الكلام ومن طريق حماد بن نعيم سمعت سفيان بن عيينة وسئل عن القرآن أمخلوق هو فقال يقول الله تعالى الا له الخلق والامر ألا ترى كيف فرق بين الخلق والامر فالامر كلامه فلو كان كلامه مخلوقا لم يفرق ( قلت ) وسبق ابن عيينة إلى ذلك محمد بن كعب القرظي وتبعه الإمام أحمد بن حنبل وعبد السلام بن عاصم وطائفة أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد خلق الله الخلق بأمره لقوله تعالى لله الامر من قبل ومن بعد ولقوله انما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون ولقوله ومن آياته ان تقوم السماوات والأرض بأمره قال وتواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان القرآن كلام الله وان أمر الله قبل مخلوقاته قال ولم يذكر عن أحد من المهاجرين